الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
203
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كلام مثل القرآن فما كان لشياطين الكهان أن يفيضوا على نفوس أوليائهم مثل هذا القرآن . فالكهانة من كذب الكهان وتمويههم ، وأخبار الكهان كلها أقاصيص وسّعها الناقلون . فالتعريف في السَّمْعِ للعهد وهو ما يعتقده العرب من أن الشياطين تسترق السمع ، أي تتحيّل على الاتصال بعلم ما يجري في الملإ الأعلى . ذلك أن الكهان كانوا يزعمون أن الجن تأتيهم بأخبار ما يقدّر في الملأ الأعلى مما سيظهر حدوثه في العالم الأرضي ، فلذلك نفي هنا تنزّل الشياطين بكلام القرآن بناء على أن المشركين يزعمون أن الشياطين تنزل من السماء بأخبار ما سيكون . وبيان ذلك تقدم في سورة الحجر ويأتي في سورة الصافات . ومعنى : وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ما يستقيم وما يصح ، أي لا يستقيم لهم تلقي كلام اللّه تعالى الذي الشأن أن يتلقاه الروح الأمين ، وما يستطيعون تلقيه لأن النفوس الشيطانية ظلمانية خبيثة بالذات فلا تقبل الانتقاش بصور ما يجري في عالم الغيب ، فإن قبول فيضان الحق مشروط بالمناسبة بين المبدأ والقابل . فضمير يَنْبَغِي عائد إلى ما عاد عليه ضمير بِهِ ، أي ما ينبغي القرآن لهم ، أي ما ينبغي أن ينزلوا به كما زعم المشركون . ومفعول يَسْتَطِيعُونَ محذوف ، أي ما يستطيعونه . وأعيدت الضمائر بصيغة العقلاء بعد أن أضمر لهم بضمير غير العقلاء في قوله : وَما تَنَزَّلَتْ اعتبارا بملابسة ذلك للكهان . وقد تقدم في سورة الحجر أن صنفا من الشياطين يتهيّأ للتلقي بما يسمّى استراق السمع وأنه يصرف عنه بالشّهب . واستؤنف ب إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ فكان ذلك كالفذلكة لما قبله وهو بعمومه يتنزل منزلة التذييل . والمعزول : المبعد عن أمر فهو في عزلة عنه . وفي هذا إبطال للكهانة من أصلها وهي وإن كانت فيها شيء من الاتصال بالقوى الروحية في سالف الزمان فقد زال ذلك منذ ظهور الإسلام . [ 213 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 213 ] فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) لما وجه الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ، 194 ] إلى هنا ، في آيات أشارت بنزول القرآن من عند اللّه تعالى وحققت صدقه بأنه مذكور في كتب الأنبياء السالفين وشهد به علماء بني إسرائيل ، وأنحى على المشركين